| ENG Activism FRA Activisme SPA Activismo |
**
جدول المحتويات
مقدمة | الديكولونيالية والعِرق | النسوية والجندر | الحركات الاجتماعية وشبكات التضامن | الإعلام الجديد والنشاطية الرقمية | آفاق البحث
على امتداد جزء كبير من تاريخها، تأثّرت نظريات وممارسات الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية بمبدأي الحياد والأمانة للرسالة الأصلية، وبنظرة قدحية ترى في الالتزام الشخصي أو الأيديولوجي أو الثقافي للمترجم/ات شكلًا من أشكال الانحياز. وقد شكّكت عدة مدارس فكرية في دراسات الترجمة في هذا النموذج، وأقرّت بسلطة ومسؤولية المترجمين/ات التحريريين والشفويين باعتبارهم فاعلين قادرين على التدخل و(إعادة أو تصحيح) صياغة المعنى. وقد تُمثل الترجمة النشاطية التحدي الأكثر جذرية لمبدأ الحياد، إذ إنها لا تكتفي بإبراز التموضع الذاتي للمترجمين التحريريين والشفويين، ولا الأجندات السياسية الكامنة في الترجمة التحريرية والشفوية فحسب، بل تدعو أيضًا إلى ممارسة واعية وتدخّلية قادرة على كشف الهيمنة السوسيوسياسية، وتعطيلها، ومقاومتها، وتجاوزها، بما يفضي إلى إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية
وحذوًا حذو المقاربات ما بعد الكولونيالية والنسوية التي قلبت موازين المفاهيم في الحقل خلال تسعينيات القرن الماضي، برزت دراسة النشاطية في الترجمة خلال العقد الأول من الألفية الجديدة مع النصوص التأسيسية لبيكر Baker (ولا سيما Baker 2006) وبسلسلة من المنشورات الجماعية المرجعية ومن بينها عدد خاص من مجلة TTR حول الترجمة والحراك الاجتماعي (Simon 2005)، والكتاب الجماعي Translation, Resistance, Activism: Essays on the Role of Translators as Agents of Change (Tymoczko 2010)، والكتاب الثنائي اللغة (الإسبانية-الإنجليزية)Compromiso social y Traducción/Interpretación – Translation/Interpreting and Social Activism (Boéri & Maier 2010). وتتطرق مقالات هذه المنشورات إلى الأبعاد الأخلاقية والسياسية المحورية للترجمة في سياقات المقاومة، ولا سيما في مواجهة الرقابة، والهيمنة الثقافية والاقتصادية والعسكرية، فضلًا عن أوجه اللامساواة والظلم الاجتماعي والعرقيووالجندري.
وخلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ترسّخت النشاطية في الترجمة كمجال بحثي مهم في حقل دراسات الترجمة، كما يتجلى في إدراج مداخل مخصصة لها في كل من Routledge Encyclopedia of Interpreting Studies (Boéri 2015) وThe Routledge Encyclopedia of Translation Studies (Boéri 2020)، فضلًا عن صدور The Routledge Handbook of Translation and Activism (Gould & Tahmasebian 2020). ويُبرز العدد الموضوعاتي الحديث حول الترجمة والعدالة الاجتماعية، بإشراف تحريري لبويري Boéri (2024)، والذي تحتل فيه النشاطية موقعًا رئيسيًا، أن الاهتمام الأكاديمي بهذا المجال المحوري لم يتراجع عبر السنوات في عالم يتسم بحالة من الأزمات الدائمة.
ترسم هذه المنشورات مجتمعة معالم المشهد المتطور للنشاطية في الترجمة من خلال تناول طيف واسع من السياقات (مثل الحركات الاجتماعية، والشبكات الإعلامية، والمجتمعات الرقمية) والأنماط (مثل الترجمة التحريرية، والترجمة الشفوية، والسترجة، والدبلجة). ومن هذا المنطلق، يقدّم هذا المدخل نظرة عامة عن النشاطية في (دراسات) الترجمة، منظمة حول مجموعة من المواضيع السوسيوسياسية المترابطة فيما بينها، وتشمل: الديكولونيالية والعِرق، والنسوية والجندر، والحركات الاجتماعية وشبكات التضامن، والإعلام الجديد والنشاطية الرقمية. وختامًا، يتناول المدخل الترجمة على أنها نموذج إرشادي عابر للتخصصات وتقاطعي من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، بما يتجاوز نطاق دراسات الترجمة.
أدّت الترجمة عبر التاريخ دورًا مزدوجًا باعتبارها أداةً للهيمنة الإمبريالية من جهة، ووسيلة للمقاومة والاكتشاف والتحرر من جهة أخرى. ففي ظل الأنظمة الاستعمارية، شكلت الترجمة سلاحًا في يد الدول الاستعمارية لفرض إبستمولوجياتها على أنظمة المعرفة لدى الشعوب الأصلية، وخدمة مصالحها التجارية والتبشيرية. فعلى سبيل المثال، تُبرز كوراك Korak (2024)، في دراستها الميدانية الحديثة في أراضي شعب الواراني في الإكوادور، أنّ منظمة إس آي إل الدولية (المعروفة سابقاً باسم معهد اللغات الصيفي الدولي)، وهي منظمة تبشيرية إنجيلية مثيرة للجدل متخصصة في ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات الأصلية، لم تكتف بارتكاب إبادة عرقية في ستينيات القرن العشرين (من خلال الاتصال القسري، والتوطين القسري داخل محمية، والتنصير القسري)، بل سهلت أيضًا استغلال موارد أراضيهم واستخراجها من قبل المستوطنين البيض وشركات النفط. وبعد طرد منظمة إس آي إل الدولية من الإكوادور عام 1981 والاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية لشعب الواراني في الدستور الإكوادور الثوري لعام 2008، أعاد شعب الواراني، الذي لا يزال يواجه تهديدات استخراجية متعددة على أراضيه، تملّك الترجمة التحريرية والشفوية من جديد، إلى حد ما، وذلك من خلال إسنادهما إلى أعضاء من داخل المجتمع ذاته (انظر Korak 2024).
![]() |
| من أشهر قصائد محمود درويش قصيدة "بطاقة هوية". |
وعلى الرغم من الفجوة الهائلة في موازين القوى بين المُستعمِرين والمُستعمَرين، فإن دور المترجمين التحريرين والمترجمين الشفويين في مواجهة الأجندات (النيو)كولونيالية موثق على نحو واسع في تاريخ الترجمة. ومن باب التمثيل لا الحصر، عمد القوميون الإيرلنديون في القرن التاسع عشر إلى ترجمة الأدب الغيلي حفاظًا على الهوية الثقافية في ظل الحكم البريطاني؛ ودعا كتاب أفارقة، مثل نغوغي وا ثيونغو، إلى الترجمة إلى اللغات الأصلية في إطار مشروع أوسع لتفكيك الاستعمار اللغوي؛ كما لجأ الكاتب الفلسطيني محمود درويش إلى توظيفات إبداعية للترجمة متعددة الوسائط، وبين اللغات، وعبر السيميائيات، لمقاومة السرديات الاستعمارية الإسرائيلية والسرديات المهيمنة على الذات والآخر في فلسطين، وذلك في سياق النضال من أجل العدالة للشعب الفلسطيني (Alhirthani 2024).
ومع استمرارية المشروع الاستعماري في القرن الحادي والعشرين، في ظل الهيمنة الاقتصادية والعسكرية للشمال العالمي على الجنوب العالمي، وللغرب على الشرق، والاستعمار الاستيطاني والمشاريع الاستخراجية التي تستهدف السكان الأصليين، تُقدّم المقاربة النشاطية إضاءات نظرية وعملية حول تفكيك استعمار المعرفة. ذلك أن الترجمة، وإن كانت قد تُسهم في تكريس الإبادة المعرفية التي ينتجها الاستعمار، وفي فرض أنماط معرفية مهيمنة تتعلق بالطبيعة والثقافة والعلم والمجتمع، فيمكنها أيضًا أن تشكل أداةً ديكولونيالية .(Price 2023) ويمكن للممارسات النشاطية العابرة للغات والثقافات، المستنيرة بنظريات الديكولونيالية والترجمة، أن تسهم في ما يُعرف بـ "reparative translation" (أي الترجمة الترميمية أو التصحيحية) (Bandia 2024)، والتي تُعتبر ممارسة أخلاقية في الترجمة من ناحية (ص. 53)، وأيضًا مفهومًا "attempts to elaborate a framework for elucidating and redressing the inequities brought about by colonisation and slavery" من ناحية أخرى (أي مفهومًا يسعى إلى بلورة إطارٍ يهدف إلى كشف أوجه اللامساواة التي خلفها الاستعمار والعبودية ومعالجتها) (Bandia 2024: 52). وتتجلى هذه الممارسات بوضوح في معارضة مجتمعات باتاغونيا الأرجنتينية لتقنية "التكسير الهيدروليكي"، أي التفتيت الهيدروليكي للصخور لاستخراج الوقود الأحفوري غير التقليدي، وذلك لما تترتب عليه من آثار بيئية وصحية وثقافية ضارة (Piñeiro 2025). وتُظهر الدراسة الميدانية لبينييرو Piñeiro أنه ما إن بدأت الأخبار تتسرب بشأن إدخال تقنية التكسير الهيدروليكي إلى المنطقة، حتى عمل مجتمع المابوتشي، ولاحقًا مجتمعات غير أصلية ومنظمات غير حكومية، على الوصول إلى معلومات استراتيجية لتداولها (وقد كان معظمها متاحًا آنذاك باللغة الإنجليزية)، وهو ما استدعى الترجمة التحريرية والشفوية وأشكالًا متعددة من الوساطة والتدقيق في الأطر السياقية. إن إرث الإبادة الجماعية بحق شعب المابوتشي، وتهجير الناجين إلى هذه الأراضي الصخرية القاحلة، وتحولها اليوم إلى منجم ذهب جديد في نظر الشركات عبر الوطنية والدول، يذكرنا بأن الأقليات العرقية هي الأكثر تضررًا من التقدم التكنولوجي والعلمي المدفوع بأجندات ربحية واستخراجية.
ويُعدّ العِرق منظورًا تحليليًا مركزيًا للانخراط النقدي في الاستعمار المعاصر، إذ يدفع الباحثات والباحثين في دراسات الترجمة وممارسيها إلى التأمل في التجارب المعيشة للعنصرية والعبودية والاستعمار، وفي الكيفية التي تنحت بها هذه الخبرات معاني ممارسات الترجمة وأغراضها. فقد كشف، على سبيل المثال، الجدل الذي أثير حول ترجمة أعمال أماندا جورمان أن الهيمنة الديموغرافية والأيديولوجية للبيض ما تزال تسطر الافتراضات المتعلقة بمن يُعدّ مؤهلًا لترجمة مَن، وعليه وقع التهكم على الدعوات إلى المواءمة العرقية ("matching") باعتبارها شكلًا من أشكال سياسات الهوية ("identity politics")، في حين أن ذلك كان يُخفي تاريخًا راسخًا من الإقصاء العرقي ويفرض حراسة البوابة الإعلامية (gatekeeping) لضبط حدود الانتماء إلى الحقل (Tachtiris 2024). وبدلًا من التساؤل عما إذا كان ينبغي حصر ترجمة الكتاب السود بالمترجمين السود، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا هو: كيف تُعرِّف معايير البياض، من الأساس، القيمة الأدبية وسلطة المترجم؟ وكيف يمكن لتجارب المترجمين غير البيض، المتشكلة في سياق (مناهضة) السياسات العنصرية، أن تنعكس على ممارساتهم الترجمية، عوضًا عن اختزال هذه الممارسات في هويات ثابتة (Tachtiris 2024)؟ وفي هذا الإطار، لا يجوز للترجمة النشاطية اليوم أن تُهمش مسألة العِرق. فكما تجادل تاختيريسTachtiris (2024)، يتعين على الترجمة النشاطية التصدي للأساليب التي يعمل بها العِرق في النصوص والمؤسسات على حد سواء، وأن تدرك أن ترجمة العنصرية (على المستويات المعجمية والبنيوية والأيديولوجية) تتطلب الانزياح بعيدًا عن تصورات مثالية للكونية ومعايير سيادة البيض، والانسياق نحو مقاربات أكثر تموضعًا وتضامنية، قائمة على المساءلة والالتزام بإحداث تغييرات بنيوية.
وتمثل مسألة العِرق حجر الزاوية في حركة العدالة اللغوية التي تبلورت في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر تسعينيات القرن العشرين، والتي ازدهرت في إطارها تعاونيات العاملات والعاملين في مجال الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية (انظر قسم "الحركات الاجتماعية وشبكات التضامن" أدناه). كما غدت هذه المسألة محورًا لا غنى عنه في نقد الترجمة المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي في قطاع النشر الأكاديمي، إذ تقوم على استغلال قوى عاملة مُعرقَنة ومُجندَرة في الجنوب العالمي، وتُفاقم أزمة المناخ، وتستمر في إنتاج شتى أشكال التحيز (انظر Boéri & Baker 2025).
![]() |
|
إعلان قديم من هارديز Hardee’s إلى جانب نسخة بتصور جديد من إيلي رزق الله ضمن سلسلته "In a Parallel Universe" [المصدر] |
نشأت الترجمة النسوية في كندا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين (ولا سيما من خلال الأعمال الريادية لكل من باربرا غودار، ولويز فون فلوتو، وشيري سيمون)، وقد انصب نقدها في بداياتها على المعايير الذكورية المتجذرة في اللغة، بهدف كشف الإقصاء التاريخي لأصوات النساء والدعوة إلى تعزيز حضورهن في عمليات الترجمة وإعادة الكتابة.
وتشترك الممارسات النسوية في الترجمة في التزامها بمقاومة الإقصاء اللغوي وبإرساء أنماط بديلة للتأليف من خلال التدخل في النصوص وتحويلها. ومن بين هذه الممارسات:
أ) إعادة صياغة التعابير المجندرة لكشف وتقويض معايير الهيمنة الذكورية والمعيارية المغايرة؛
ب) تعزيز صوت الكاتبات وحضورهن في الفضاء التأليفي عبر الاستعانة بإحالات صريحة أو ضمنية في سياقات سبق أن وقع فيها تهميشهن أو محوهن؛
ت) توظيف استراتيجيات العتبات النصية المحيطة بالمتن النصي الأساسي، مثل الحواشي السفلية والمقدمات، وذلك بهدف كشف التحيزات الجندرية في النص الأصلي ووضع اختيارات الترجمة في سياقها.
ولا تقتصر الممارسات النشاطية من أجل تحقيق العدالة الجندرية على الترجمة الأدبية وحدها. ففي قطاع الإعلانات، على سبيل المثال، تستكشف القردبو Gardabbou (2021) باروديا الإعلانات، أو المحاكاة الساخرة للإعلانات التجارية (parody ads)، بوصفها جنسًا تعبيريًا يتيح للمترجمين/ات النسويات تفكيك الإقصاء البنيوي للنساء من مواقع صنع القرار في مجال الإعلان، وما يرتبط به من خطابات ذكورية وعنصرية متجذرة في ثقافة الاستهلاك العالمية. ومن خلال تحليل دقيق لحملات مضادة، مثل موجة الانتقاد الواسعة التي أثارها الشعار القائم على اختزال الأدوار الجندرية في قوالب نمطية، والذي اعتمدته شركة بك (BIC) بمناسبة اليوم العالمي للمرأة ("Look like a girl. Act like a lady. Think like a man. Work like a boss") (بما معناه: تألقي كفتاة يانعة، وتصرفي كسيدة، وفكري كرجل، واعملي كرئيس)، وكذلك سلسلة الفنان إيلي رزق الله "In a Parallel Universe"، تُبيّن القردبو Gardabbou أنّ المحاكاة الساخرة للإعلانات لا تؤدي وظيفة نقدية واحدة، بل تشكل ممارسة خطابية ترجمية مركبة، تفتح فضاء للمقاومة النسوية تتقاطع فيه وتتباين المرجعيات الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية.
وقد امتد أثر التدخلات النصية النسوية إلى نظرية الترجمة، إذ شكلت مدخلًا لإعادة التفكير في الدور المسند تقليديًا إلى المترجمين/ات. فمنذ بداياتها، سعت الترجمة النسوية إلى تقويض النظرة الدونية المجندرة للترجمة التي اختزلت قيمتها في نشاط ثانوي، أنثوي، واشتقاقي، وذلك في مقابل القداسة المزعومة المنسوبة للتأليف الذكوري. ولا يقتصر تبني هذا النقد على تجاوز التصورات الذكورية والثنائية للترجمة فحسب، بل يدفع حدود ممارستها إلى آفاق تحررها من قيود النص الأصلي. فعلى سبيل المثال، تقترح القردبو Gardabbou (2018) في ترجمتها العربية لقصة ناثانيال هاوثورن "The Birth-Mark" تحويلًا إبداعيًا خلّاقًا (transcreation) يتعدى مفاهيم النص الأصلي ويتجاوز حدوده ليقدم ترجمة إبداعية بروح وفكر جديدين، وهي ممارسة تعمل في آن واحد كتدخّل نسوي في النص (مثل تحوير العنوان، وإعادة صياغة الخاتمة، وإدراج مقدمة نسوية بقلم المترجمة، وإضافة رسوم توضيحية، وبناء حكاية داخل الحكاية، وتعريب الأسماء والإحالات)، وكدعوة للتأمل في أبعاد تموضع كل من الشخصيات النسائية في القصص والمترجمين/ات النسويات لتلك القصص. وبصفتها مترجِمة من خارج السرد (extradiegetic)، تُدرج القردبو Gardabbou شخصية مترجِمة داخل النسيج السردي ذاته عبر توظيف تقنية "التجويف الأدبي" (mise en abyme) التي تعرف أيضا بتقنية "التداخل الاندماجي" أو "المرآوية المعممة". وتتيح لها هذه المقاربة لا تقويض الهرمية التقليدية بين المؤلف والمترجم(ة) فحسب، بل تمكنها أيضًا من التعبير – بواسطة شخصية هذه/هذا المترجم(ة) داخل الحكاية – عن قراءة نسوية لقصة "The Birth-Mark" وتجسيدها في الترجمة العربية.
![]() |
|
رسم توضيحي بالألوان المائية بعنوان "Woman and Translator Dominated by the Author من الترجمة الإبداعية العربية لقصة "The Birth-Mark بفرشاة وقلم القردبو (Gardabbou 2018) |
كما أصبحت الجهود الجماعية في الترجمة التي تقودها المجتمعات عنصرًا أساسيًا في تحقيق العدالة الجندرية، إذ تنفصل عن الأسس الفردانية والنخبوية والغربية التي قامت عليها الترجمة النسوية. ويُعد كل من مشروع قالت الراوية: إعادة كتابة الحكايات الشعبية من وجهة نظر المرأة، والدراسة الحديثة لبوسو Bosseaux (2025) بعنوانA Voice of Their Own: Encouraging Caring and Ethical Practices in Trauma Screen Translation، مثالين واضحين على هذا التوجه.
يقدّم مشروع "قالت الراوية: إعادة كتابة الحكايات الشعبية من وجهة نظر المرأة" الذي أطلقه منتدى المرأة والذاكرة في مصر، نموذجًا قائمًا على ممارسة تعاونية وجماعية للتطرق النقدي للإرث الذكوري ومعالجته، وذلك ضمن مدونة سردية مشتركة تشمل مجموعة من الحكايات الشعبية المصرية وقصص كلاسيكية من ألف ليلة وليلة. وبإدارة هالة كمال، جمع المشروع كاتبات وباحثات وفنانات للعمل على قراءات جماعية لهذه القصص من منظور جندري. وتشمل النصوص الصادرة عن هذا المشروع تصورات جديدة باللغة العربية الفصحى و/أو بالعامية المصرية، غالبًا ما تكون مرفقة برسوم توضيحية، وقد أعيد تخيلها عبر آليات ثقافية محددة مثل السرد القصصي الشفوي والتحليل النقدي وإعادة الكتابة والتأطير بطريقة إبداعية، بما يقدم نماذج بديلة ويتصدى لتمثلات النظام الأبوي المتجذرة في السرديات التقليدية.
وتمثل البحوث التطبيقية أداة واعدة في سياق الترجمة النشاطية. ويتجلّى ذلك بوضوح من خلال الفيلم الوثائقي متعدد اللغات Surviving Translation لشارلوت بوسو ولينغ لي، الذي يتناول أشكال العنف الجنسي التي تتعرض لها طالبات اللجوء خلال رحلتهن إلى المملكة المتحدة وعند وصولهن إليها. ويضع هذا العمل التعاوني الناجيات من العنف في صميم المقاربة، حيث تنطوي الممارسات الجماعية في التوثيق، والسترجة، والتعليق الصوتي لتجارب العنف والإكراه الجنسي على تبعات عاطفية وأخلاقية تتصل بإنتاج سرديات الصدمة وتناقلها عبر الترجمة، وهي تبعات تؤثر في هذه الممارسات بقدر ما تتأثر بها (Bosseaux 2025). وفي هذا السياق، تُعرض بوسو Bosseaux عن الانشغال بسلاسة الترجمة من ناحية تقنية لتركز على "filming and translating ethically" (أي التصوير والترجمة وفق مقاربة أخلاقية واعية)، و "making sure survivors’ voices are truly heard" (أي التأكد من الإصغاء لأصوات الناجيات وإيصال أصواتهن) و"convey[ing] fully the emotional content" لشهاداتهن (أي نقل الحمولة العاطفية للشهادات نقلًا كاملًا ووافيًا) (Bosseaux 2025:3)، وذلك في مسعى إلى صون أصوات الناجيات وفاعليتها السردية والحرص على تجنب نبش الجراح أو تحريف التجارب المنقولة.
ومع مرور السنوات، اتّسع نطاق العدالة الجندرية ليشمل حقوق جميع الأقليات الجنسية، بحيث لم يعد مقتصرًا على النساء فحسب، بل صار يضم أيضًا مجتمع الميم. فعلى سبيل المثال، يوظّف عمر أنلاتان Ömer Anlatan، المترجم التركي للرواية الكويرية المصورة Heartstopper لأليس أوسمان، تدخلات متعددة الوسائط تشمل استخدام مصطلحات نشاطية متداولة في خطاب مجتمع الميم والإبقاء المتعمد على ألفاظ ازدرائية بهدف كشف خطاب الهوموفوبيا في تركيا (Alan 2024). وتُبرز الدراسة المفصلة التي قدّمها آلان Alan مدى الأهمية الحاسمة لدعم دار النشر (Yabancı Publishing) في مواجهة الرقابة السائدة في تركيا والمساهمة في تعزيز العدالة الجندرية. وتتأثر الممارسات النشاطية بالأطر المؤسسية والتنظيمات السياسية والثقافية في كل بلد، حتى في السياقات الأكثر رقمنة. ففي هذا الصدد، توضح دراسة سونغ Song (2024) حول مجتمع المثليات Wanwan للترجمة الجماهيرية (fansubbing) في الصين كيف يدافع المترجمون/ات الفانسب عن العدالة الجندرية رغم القيود التي تفرضها السياسة الصينية المعروفة بـ "han-xu". ففي مواجهة هذه الاستراتيجية الحكومية المزدوجة (حيث يشير المصطلح "han" إلى القمع المتعمد والصريح للهويات الكويرية عبر الرقابة والحظر، بينما يدل "xu" على اتباع منهجيات أقل ميلًا للمواجهة لطمس هذه الهويات والحرص على تهميشها الاجتماعي)، تعتمد هذه المجموعة مقاربة حراكية غير تصادمية. فتقوم بإدماج السرديات الكويرية في المواد السمعية والبصرية، وتوظف على نطاق أوسع، وإن بحذر، نصوصًا رقمية موازية مثل منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتصاميم بصرية، وتعليقات المجتمع، حيث تتوفر لها مساحة أكثر حرية نسبيًا لإنتاج محتوى يتناول القضايا الكويرية.
وعليه، تبرز هذه اللمحة العامة أن الترجمة تؤدي دور أداة للحوار، والمقاومة، والتضامن، والالتزام من أجل تحقيق العدالة الجندرية. وعلى وجه الخصوص، تُعيد كاسترو وإرغون Castro & Ergun (2017) تأطير الترجمة النسوية كممارسة سياسية ملتزمة ومقاربة تقاطعية تتجاوز مناطق النزاع وتتحدى هيمنة أنظمة المعرفة الغربية والنظام الأبوي البطريركي والمعيارية المغايرة. وتدافع الباحثتان عن ترجمة نسوية لا مركزية وعابرة للأوطان، تسلط الضوء على أصوات الفئات المهمشة وتجاربها، وتنخرط في مقاربة ديكولونيالية وكويرية تنطلق من الجنوب العالمي، بما يتيح إرساء فضاءات للتضامن والمقاومة تتخطى الفوارق اللغوية والثقافية والجيوسياسية.
الحركات الاجتماعية وشبكات التضامن
احتلت الترجمة التحريرية والشفوية النشاطية مكانة بارزة في الحركات الاجتماعية وشبكات التضامن عبر الوطنية، وذلك خاصة ضمن حركة العولمة البديلة وحركة العدالة العالمية. وإذ تشمل هذه الأخيرة طيفًا واسعًا من النضالات، مثل قضايا البيئة، والسلام، والعدالة، والديمقراطية، حيث تتقاطع أبعاد الجندر والعِرق والطبقية والقدرات الجسدية ببعضها البعض، فإنها تؤدي وظيفة مصطلح جامع تجتمع تحت سقفه حركات اجتماعية متعددة ومترابطة من مختلف أنحاء العالم، تتحدى فرض نظام عالمي رأسمالي، ومشعل للحروب، واستبدادي. ونظرًا لطابعها عبر الوطني، ومتعدد الثقافات، ومتعدد اللغات، تعتمد حركة العدالة العالمية على أشكال متنوعة من الترجمة، ما جعلها حقلًا خصبًا لدراسة جماعات المترجمين/ات التحريرين والمترجمين الشفويين الملتزمين ولتنظير مفاهيم التضامن والحراك والنشاطية في دراسات الترجمة.
![]() |
|
صورة من مقال على مدونة Comma Press حول التحريفات التي ارتكبتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في ترجمة أصوات الفلسطينيين المصدر |
وفي سياق هذه الحركة، نشأت على التوالي في تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة الجماعتان النشاطيتان ECOS (جمعية المترجمين التحريريين والشفويين من أجل التضامن) وBabels (شبكة دولية للمتطوعين في الترجمة التحريرية والشفوية). ولم تقتصر مشاركتها في الحركة على العمل التطوعي، بل أسهمتا أيضًا في إحداث تحول نوعي في دراسات الترجمة، ولا سيما في دراسات الترجمة الشفوية، التي كانت قد تطورت آنذاك بمعزل نسبي عن دراسات الترجمة وكانت نظرياتها وتياراتها الفكرية موجهة في معظمها لخدمة السوق (انظر Boéri & De Manuel Jerez 2011). تخلت شبكة Babels عن (Boéri 2008) وتبنّت بدلًا عن ذلك مبادئ الأفقية، والمشاركة، والمداولة، واللامركزية، سعيًا إلى "استباق" (prefigure) نموذج بديل لتنظيم الترجمة الشفوية، وتدريب المتطوعين/ات، وبناء فضاء رقمي بديل لاتخاذ القرارات بالإجماع (Boéri 2012; 2023a; 2023b). وقد دفعت مثل هذه الجماعات النشطاء والباحثين/ات الأكاديميين إلى اتخاذ مواقف نقدية إزاء المنطق التجاري المتحكم في قطاع الترجمة، وفي المهنة، وفي مناهجها التعليمية. ومن الأمثلة على ذلك، خلال المنتدى الدولي حول الترجمة التحريرية/الشفوية والحراك الاجتماعي الذي نظمته ECOS في غرناطة (إسبانيا) عام 2007، وقّع المهنيون/ات والمدرسون/ات والباحثون/ات على إعلان طالبوا فيه بتوسيع مجال الترجمة التحريرية والشفوية إلى ما يتجاوز المجتمع السائد، وممارساته، والمهن المرتبطة به، ونظرياته، وبيداغوجياته، داعين إلى تصحيح مسار الحقل في مواجهة الآثار المدمرة لحروب الاحتلال والسياسات النيوليبرالية (Granada Declaration 2010). وتشمل الجماعات الأحدث في هذا السياق مبادرات مثل Guerrilla Translation ضمن Guerrilla Media Collective، وRespond Crisis Translation، إلى جانب شبكات أخرى معنية بالعدالة اللغوية ازدهرت في الولايات المتحدة، وإلى حد ما في أمريكا اللاتينية.
وحتى اليوم، تُعد الدراسة التي قدمتها دوير Doerr (2018) أكثر الأعمال تعمقًا في تناول تدخلات المترجمين/ات الشفويين النشطاء في اللقاءات العابرة للغات، وذلك من خلال تحليلها لعدد من ساحات النقاش المرتبطة بالمنتديات الاجتماعية وحركة العدالة العالمية، بما في ذلك حركة العدالة اللغوية. وعلى الرغم من أن معطيات الدراسة لا تركز على الترجمة بين اللغات بمعناها الضيق، فإن دوير Doerr تجد أن المترجمين الشفويين، والوسطاء، والمنظمين قد تبنوا ومارسوا القصدية (intentionality)، أي أنهم تصرفوا بوعي إزاء أشكال الظلم العرقي والطبقي والجندري التي كثيرًا ما يُعاد إنتاجها في التفاعلات داخل الفضاء التواصلي. ويقتضي تحليل تدخلات المترجمين/ات الشفويين (والتحريريين) في اللقاءات متعددة اللغات أكثر من مجرد إتاحة الوصول للبيانات وتوفر الكفاءات اللغوية؛ إذ يتطلب كذلك تحرير هذا التحليل من قيود الأطر الليبرالية المطلقة لأخلاقيات المهنة وآدابها التي تهيمن على المجال. وسعيًا إلى سد هذه الثغرة، تقترح بويري Boéri (2023c) مقاربة ميتا-أخلاقية، وتطور نموذجًا ثلاثي الأبعاد ينسق الرؤى المستخلصة من ممارسة الترجمة الشفوية النشاطية، وتنظيمها، وتنظيرها، بما في ذلك ضمن شبكة Babels وحركة العدالة اللغوية. ويأخذ النموذج الذي تقترحه في الاعتبار تدخلات المترجمين/ات الشفويين في مواقف التواصل (المستوى الدقيق/الميكروي)، مع تحليل تأثير سياسات التنظيم (المستوى الكلي/الماكروي)، وكذلك نظريات الترجمة الشفوية وأنساقها المعرفية (المستوى الوسيط/الميزوي)، في تقييد هذه التدخلات أو تمكينها أو تشكيلها. ومن خلال تحديد كل من التحديات والدعامات المتاحة لتحقيق العدالة الاجتماعية على مستوى ممارسة الترجمة الشفوية وتنظيمها وتنظيرها، يمكن لهذا النموذج أن يسهم في قيادة أخلاقيات الترجمة الشفوية نحو العدالة الاجتماعية.
وتحتل الترجمة السمعية البصرية بدورها مكانة مهمة في الحركات الاجتماعية والثورات، لا سيما مع انتشار وسائل الإعلام الجديدة والمنصات الرقمية التعاونية. وقد لجأت جماعات الترجمة على نحو متزايد إلى السترجة لتوثيق تجاربها في الثورات ونقلها وتعميمها عالميًا. فخلال الثورة المصرية، على سبيل المثال، اضطلعت جماعات ترجمة مثل تعاونية الإعلام الشعبي مُصِرِّين ومشروع كلمات نساء من الثورة المصرية بدور حاسم في تعميم خطابات الاحتجاج، والالتفاف على الرقابة، ونشر الشهادات الحية عبر الحدود اللغوية والوطنية (Baker 2016). وفي سياقات العنف، تصبح الترجمة السمعية البصرية أداة تُسخّرها وسائل الإعلام السائدة، وهو ما يدفع الجماعات النشاطية إلى مراقبتها عن كثب. فعلى سبيل المثال، في سياق الإبادة الجماعية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، كشفت مبادرة Respond Crisis Translation عن تحريفات ارتكبتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في ترجمة أصوات الفلسطينيين، الأمر الذي أثار موجة استنكار عام وأجبر الهيئة على التراجع (Comma Press 2023).
أسفر البحث في الترجمة النشاطية بمختلف أنماطها عن توضيحات مهمة حول ممارسات التضامن وتنظيرها في عالم تفاقمت فيه مظاهر تركّز الموارد، والغطرسة، والعنف العرقي والجندري بوتيرة متسارعة منذ مطلع القرن. وقد مثلت السياسات الاستباقية (prefigurative) -أي مبدأ تجسيد التغيير المنشود وممارسته في الحاضر- عنصرًا محوريًا في تنظير الترجمة التحريرية والشفوية النشاطيتين (انظر Boéri 2012; 2023b; Taviano 2016; Baker 2013) وإن كانت قد سلطت الضوء بدرجة أكبر على أبعاد التنظيم أكثر من تركيزها على الأداء الفعلي في الترجمة التحريرية والشفوية (Baker 2020; Boéri & Delgado Luchner 2021). غير أن بيكر Baker (2020) أبدت مؤخرًا تحفظات إزاء قدرة المقاربة الاستباقية على تمكين المترجمين/ات والباحثين/ات النضاليين/ات من تقديم دعم تضامني ملائم للفئات الأشد هشاشة. وتؤكد أن مستويات الصدمة والدمار التي يتعرض لها أفراد هاته الفئات تُعيق قدرتهم على تصور مستقبل أفضل، وهي قدرة لا تنفصل عن منطق السياسات الاستباقية. وبدلًا من ذلك، تقترح بيكر Baker الترجمة التطلعية (aspirational)، وهي استراتيجية سيميائية تستند إلى الموارد المحدودة المتاحة في الحاضر، وإلى الموارد غير المستثمرة من الماضي والماضي القريب، بما يتيح للناس التعافي والالتئام والفهم واستعادة السيطرة على الفضاءات التي يعيشون فيها. وفي تفاعل مع هذا الطرح، تستند بويري Boéri (2026) إلى التطلع (aspiration) والاستباق (prefiguration) لإعادة النظر في الترجمة النشاطية ضمن حركة العدالة العالمية. وتُبرز مقاربتها الجينيالوجية أن الممارسة الاستباقية الأناركية (أو اللاسلطوية) القائمة على الأفقية وإن كانت قد تباعدت في بداياتها عن منطق التطلع، فإن الممارسات النسوية والديكولونيالية القصدية أظهرت في الآونة الأخيرة تجانسًا معه. وتخلص بويري Boéri إلى أن التوفيق بين الترجمة الاستباقية والترجمة التطلعية ليس ممكنًا فحسب، بل هو ضرورة سياسية من أجل تمتين نسيج شبكات التضامن.
الإعلام الجديد والنشاطية الرقمية
شكّل الحراك السياسي واقعًا ملازمًا للترجمة التحريرية والشفوية قائمًا منذ قرون، ولكن دراسته لم يتجاوز عمرها العقدين. وخلال هذه السنوات، أحدثت تكنولوجيات المعلومات والاتصال تحولات عميقة في الممارسات إلى حد أن الأتمتة الكاملة للترجمة التحريرية والشفوية، التي كثيرًا ما اعتبرت احتمالًا مستبعدًا، باتت تتحقق اليوم تدريجيًا على أرض الواقع. وفي هذا السياق، يعتبر استخدام المترجمين/ات للتكنولوجيات مسألة تنطوي على قدر كبير من التضارب والتباين.
![]() |
|
مسيرة حركة 15M الاحتجاجية، 20-21 مايو 2011 في ساحة بويرتا ديل سول، مدريد (وسط المدينة). [المصدر] |
وقد أدّى ظهور الويب التشاركي (المعروف أيضًا باسم الويب 2.0)، في أواخر تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة، إلى نشأة أشكال تنظيمية جديدة تحدت أساليب العمل المعتادة لدى المنظمات المهنية الموجهة نحو السوق. فعلى سبيل المثال، لم يقتصر توظيف شبكة Babels للأدوات الرقمية التي أتاحها الويب 2.0 على تمكينها من اعتماد آليات تشاركية وتشاورية في اتخاذ القرار، بل جعلها كذلك تشكك في أنماط تنظيم تقليدية قائمة على الخبرة والتراتبية والمصالح الاقتصادية، وهو ما يتجلّى في الجدل الذي نشأ بينها وبين الرابطة الدولية للمترجمين الشفويين المختصين بخدمة المؤتمرات (AIIC) (انظرBoéri 2023a). وبالمثل، أتاح استخدام المنصات التعاونية في الدبلجة والسترجة والترجمة عبر وسائط متعددة للناشطين/ات فرصة للالتقاء العابر استجابة لحالات طوارئ سياسية والدفاع عن قضايا معينة، قبل أن يتفرقوا من جديد؛ وهو ما يصفه بيريز-غونثاليث Pérez-González (2010) بالأدهقراطيات "ad-hocracies".
ويستخدم الفنانون/ات المنخرطون/ات في حركات المقاومة منصات البث العالمية بوصف ذلك استراتيجية سياسية شائعة لاستكشاف التفاعلات بين اللغة والثقافة والهوية (Taviano 2016). وعلى نحو مماثل، يلجأ الناشطون/ات بشكل متزايد إلى منصات الفانفيكشن (fan fiction) لإعادة الكتابة الإبداعية للسرديات السائدة وتقويض التمثلات الثقافية المهيمنة؛ وهي عملية سياسية وجمالية تقوم على ممارسات جماعية ورقمية تضعها فارلي Farley (2016) في خانة الممارسات الترجمية.
وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، في العقد الثاني من هذا القرن، أداة أساسية في عمل الناشطين/ات على توثيق المقاومة السياسية والاحتجاجات، من الثورة المصرية إلى حركة 15M السياسية في إسبانيا، وذلك ضمن مشهد معلوماتي يتسم بتزايد التفتت والتشظي (Sadler 2021). غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لنصرة أصوات المقهورين. فعلى سبيل المثال، وفي ظل غياب الصحفيين الدوليين في غزة، يلجأ المواطنون/ات إلى الترجمة من أجل الوصول إلى جمهور عالمي. إلا أن المترجمة الغزية آلاء القيسي تشير إلى أن الفلسطينيين/ات يترجمون بين "الجرح والكلمة"، بين التجارب المعيشة للإبادة الجماعية وخطاب عالمي يسوده التلطيف اللغوي ويسوقه التهرب، وهو ما يدفعها للتساؤل "أكثر الأسئلة إيلامًا التي أطرحها على نفسي ليست: هل ينبغي لي أن أترجم؟ بل: هل من أحدٍ يُنصت؟"، ولا سيما حين تُربك الترجمة البُنى اللغوية ذاتها التي تقمع التجربة الفلسطينية (Alqaisi 2025).
وفي حين تميل ممارسات الترجمة المواطنية والتشاركية والحراكية إلى التشكل خارج صناعة الترجمة التحريرية والشفوية، وفي موقع معارض لها، فإن التقنيات التي تلجأ إليها تظل على نحو لا مفر منه مندمجة في البُنى الخطابية والمادية ذاتها للهيمنة المؤسسية والعسكرية. ومع تزايد تركز تقنيات الإعلام في أيدي عمالقة التكنولوجيا وغياب الرقابة العامة الفعالة على استخدام البيانات الضخمة التي ينتجها المواطنون/ات، باتت أخلاقيات وسياسات تكنولوجيات الترجمة (وخاصة منها الذكاء الاصطناعي) مصدر قلق متصاعد لا يقتصر على دوائر الترجمة النشاطية المرتبطة باقتصاد التضامن فحسب (انظرThe Guerrilla Media Collective Handbook)، بل يمتد ليشمل قطاعات الترجمة التحريرية والشفوية والنشر، فضلًا عن مؤسسات التعليم العالي.
على مدى العقدين الماضيين، وقع توثيق ممارسات الترجمة النشاطية وتنظيرها عبر وسائط متعددة وفي سياقات مختلفة. وكما رأينا، قد يدعم ويشارك المترجمون/ات التحريريون والشفويون الناشطون أو جماعاتهم في حراكيات متعددة (مرتبطة بالعرق، والجندر، والطبقية، والثقافة، أو ببعض أوضاع المواطنة)، ويلجؤون إلى أجناس متنوعة (كالأدب، والأفلام السنيمائية، والأفلام الوثائقية، والمنتديات، وغيرها من اللقاءات الاستراتيجية، إلخ)، وإلى أساليب مختلفة (تحريرية، وشفوية، وسمعية وبصرية، إلخ)، فضلًا عن أشكال تنظيمية متعددة (مؤقتة أو دائمة، ظرفية أو رسمية)، وأنماط تفاعل متنوعة (وجهًا لوجه، أو عبر الإنترنت).
ويمكن للبحوث المستقبلية أن تنطلق من هذه المعارف المنبثقة عن حقل متنوع الممارسات، وذلك باعتماد مقاربة تقاطعية للتضامن والنشاطية. ولا يقتصر ذلك على الانتباه لتعدد عوامل التمييز والاضطهاد التي تمس حقوق الأفراد، بل يشمل أيضًا مقاومة هذه الأشكال من الظلم والحراك من أجل تطوير بدائل ممكنة انطلاقًا من هذا المنظور التقاطعي.
وبالمثل، فإن أشكال الظلم المتعددة التي يسعى المترجمون/ات النشطاء إلى معالجتها (الاستعمار، والإمبريالية، والاستخراجية، والبطريركية، والمعيارية المغايرة، والعنصرية) مترابطة كلها ببعضها البعض. وبالتالي، لا يمكن إحباط النظام الاقتصادي والتقني الاستخراجي الذي نعيش في ظله من دون الإسهام الحيوي لحقول معرفية متعددة في تحقيق العدالة الاجتماعية. فالهجمات التي تطال روابطنا الاجتماعية وتعدد الثقافات، وصحتنا وصحة كوكبنا، تقتضي تطوير معارف مضادة للهيمنة، لا في العلوم الإنسانية والاجتماعية فحسب، ولكن أيضًا في ما يعرف بالعلوم الصعبة. وفي إطار هذا التوجه العابر للتخصصات والمناهض للهيمنة، تضطلع الترجمة بدور محوري (Doerr 2018; Boéri 2024; Boéri & Baker 2025). كما أن غنى المنهجيات والنظريات المستوحاة من (والمستخدمة في) البحث الحراكي والبحث في الحراك، يزود الباحثين/ات والممارسين/ات بالأدوات اللازمة لتسخير الإمكانات التحويلية للترجمة بما يتيح التشارك في بناء معارف مضادة للهيمنة والإسهام في إحداث التغيير وتحقيق العدالة.




